القاضي عبد الجبار الهمذاني

65

تثبيت دلائل النبوة

أم اكتساب ؟ قيل له : العلم بذلك طريقه الاستدلال والاكتساب ، ويتهيأ لكل عاقل من كافر ومؤمن ان يعرف ذلك ويجب عليه ان يعرف ، وسبيله سهلة قريبة ، فمن نظر واستدل عرف ، ومن لم يستدل لم يعرف . والدليل على أن ذلك قد كان ، ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد تلا هذه السورة واحتج بذلك على العدوّ والوليّ ، فعلمنا انه أمر قد كان ووقع ، فإن الحجة به قد قامت وظهرت وقهرت ، لأنه لا يجوز ان يقصد عاقل إلى قوم يدعوهم إلى صدقه ونبوته ويحرص في أجابتهم إلى طاعته والانقياد له ويريد منهم ذلك ثم يقول : من علامة نبوتي ودلائل رسالتي ان النجوم لم تكن تنقض وانها الآن قد انتقضت ، وهو يعلم أنهم يعلمون ان هذا أمر لا أصل له وأنه قد كذب فيما ادعى . هذا لا يقع من عاقل كائنا من كان ، فكيف بمن يدعي النبوة ، وعقله العقل المعروف الراجح الموصوف ، ثم يقصد إلى امر ظاهر مكشوف في السماء البارزة للخلق أجمعين المشاهدة للأولين والآخرين ، سيما والعرب أعلم الناس بالكواكب والأنواء ومطالعها وسيرها ، والثابت الراكد الذي / لا يغيب منها . وقد كتب الناس عنهم علمهم بذلك ، ودونوا منه شيئا كثيرا ، وأكثرهم مأواه تحت السماء ، هي تسقفهم ، ورؤيتهم لها ولكواكبها امر دائم متصل لا يفتر ، وقد سبقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في السن والزمان والعلم بالكواكب ، فكيف يقدم على قوم هذه سبيلهم فيدعي هذه الدعوى وهم من العداوة له والطلب لعثراته وزلاته ، ولأمر ينفرون به أصحابه عنه على حال لا مزيد عليها ؟ فأين كانوا عن هذا الكذب الظاهر الذي لا ينفع معه صدق يقدمه ولا صدق يكون بعده ؟ ومن هذه سبيله لا يكون لها رئاسة ، ولا يتبعه أحد ، ولا يكون له قدر . وقد يتبعه قوم عقلاء ألبّاء « 1 » فضلاء لأنه

--> ( 1 ) ألباء : جمع لبيب . انظر القاموس المحيط .